المنجي بوسنينة
271
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الشهيرة واحدة من بين القصائد التي كانت سببا في ذيوع صيته بين جمهور القراء ، كما لفتت القصيدة انتباه السلطات الانكليزية إلى ما يمثله هذا الشاعر من خطورة في تعميق وعي الناس وإثارتهم . ولم يلبث هذا النجاح أن حفز بيرم على إنشاء جريدته « المسلة » في سنة 1919 التي حظيت برواج منقطع النظير ، أغراه بالانتقال إلى مدينة القاهرة بحثا عن أوسع شريحة اجتماعية تستجيب لدعواته ، وحملاته المناهضة للاستعمار الأنكليزي والعائلة الحاكمة وعلى رأسها الملك فؤاد ملك مصر . وتمّ الأمر بنقل نشاطه إلى القاهرة ، لكن السلطات هناك كانت له بالمرصاد فعطلت « المسلة » ولكن بيرم لم يذعن للقرار ، فأصدر جريدة « الخازوق » التي كانت القطرة التي أفاضت الكأس ، مما حمل السّلطة بعد تفاقم تطاول بيرم عليها وبلوغه الحدّ الذي لا يسمح فيه بتجاوز النقد إلى إصدار قرار بإبعاد بيرم خارج مصر ، باعتباره تونسي الجنسية ، ويتبع الحماية الفرنسية التي أشعر ممثلها بالقرار وطلب منه الإشراف على هذا الإبعاد . وجلب بيرم إلى مدينة الإسكندرية وبحضور قنصل فرنسا بهذه المدينة أركب متن الباخرة المسماة « تشيلي » التي كانت تقل عائلات من بلاد الشام كانت مهاجرة إلى أمريكا اللاتينية . ليتم ترحيله يوم 17 أوت 1919 [ نص برقية قنصل فرنسا بالإسكندرية من محفوظ الأرشيف الوطني بتونس ] إلى موطن أجداده تونس . وبعد أن أرست الباخرة المذكورة بميناء مرسيليا تمّ وضع بيرم مرّة أخرى على متن الباخرة « السترافائيل » يوم 31 أكتوبر 1919 ليحط ركبه في تونس التي كان يدخلها لأوّل مرّة بعد أن خرج منها جدّه مصطفى في القرن التاسع عشر . أقام بيرم بضعة أسابيع في تونس ، حاول خلالها ربط صلاته بالعائلة التي ينتسب إليها فلم يفلح . ولما خاب أمله قفل عائدا إلى فرنسا ، وبدأ رحلة عذابه في المنفى التي استغرقت نحو عشرين سنة ، انطلاقا من مدينة مرسيليا ، إلى باريس ، فبوردو ، فالآرل بحدود إسبانيا ، متعاطيا جميع ألوان الأعمال الشاقة والمهينة ، متعرضا لضروب الخصاصة والجوع والشقاء ، دون أن يثنيه كلّ ذلك عن متابعة الكتابة نثرا وشعرا ومراسلة الصحف والمجلات المصرية للإبقاء على روابطه الأدبية بمصر التي لم تبرح خياله ، وقد ترك فيها ذكرياته ، وفلذات كبده ، وأجبر كرها على مفارقتها . مكث بيرم في منفاه بفرنسا ثلاث عشرة سنة وإن قيل إنه عاد في إحدى المرات خلسة إلى مصر وانكشف أمره ، إلّا أن أوّل مرة غادر فيها فرنسا كانت لدى عودته الثانية إلى تونس أواخر سنة 1932 بعد أن اتصل به نفر من التونسيين وربطوا صلة له مع بعض الصحف التونسية ليتولى رئاسة تحريرها . وقد كان في هذه المرة محل حفاوة وتبجيل وترحيب من كلّ التونسيين الذين استقبلوه بالمقالات التي تشيد بنبوغه ، واصفين هذه العودة بأنها عودة الابن إلى حضن أمّه ، إلّا أن شهر العسل بينه وبين جريدة « الزمان » سرعان ما انفض ، وحصلت القطيعة التي لم يكن منها بدّ ، فمنهج الجريدة المهادنة للاستعمار كان على غير منهج بيرم وخطه النضالي .